في ظل ما شهدته الساحة خلال الفترة الأخيرة من وقائع مؤسفة، كان أبرزها اتهام أشخاص في قضايا جنائية بسبب خطوط هاتف مسجلة بأسمائهم رغم تمسكهم بعدم استخدامها، يأتي الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية بالإسكندرية ليبعث برسالة قانونية بالغة الأهمية، بعدما قضى بتعويض قدره عشرة ملايين جنيه للمتضررة عن الأضرار التي لحقت بها.
فهذا الحكم لم يتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد نزاع بين عميل وشركة اتصالات، وإنما ناقشها من زاوية أعمق، وهي حماية البيانات الشخصية وحق المواطن في ألا تستخدم بياناته إلا وفقًا للقانون، وانتهى إلى إلزام شركة الاتصالات بالتعويض بعد أن ثبت للمحكمة توافر الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
البيانات الشخصية ليست مجرد أرقام
إن أخطر ما في الأمر أن تسجيل شريحة هاتف باسم شخص لا يمثل مجرد خطأ إداري، بل قد تترتب عليه آثار تمس الحرية الشخصية والسمعة والمركز القانوني لصاحب البيانات، خاصة إذا استُخدمت تلك الشريحة في ارتكاب جريمة أو معاملات غير مشروعة.
ولذلك فإن هذا الحكم يكتسب أهمية خاصة في هذا التوقيت، لأنه يعيد التأكيد على أن بيانات المواطن ليست مباحة، وأن استعمالها دون سند قانوني قد يرتب المسؤولية والتعويض متى ثبت الخطأ والضرر.
ماذا يفعل من يكتشف خطوطًا مسجلة باسمه؟
إذا اكتشفت وجود خطوط هاتف مسجلة باسمك لا تخصك، فلا تتعامل مع الأمر باعتباره مجرد إجراء إداري ينتهي بالتوقيع على ورقة تنازل.
فالحق لا يقتصر على إلغاء الخط، وإنما قد يمتد إلى معرفة كيف استُخدمت بياناتك، ومن المسؤول عن ذلك، وما إذا كان قد ترتب على هذا الفعل ضرر يوجب التعويض.
حماية البيانات الشخصية مسؤولية قانونية
إننا اليوم أمام مرحلة أصبح فيها الرقم القومي والبيانات الشخصية من أهم الحقوق الدستورية التي تستوجب الحماية، وأصبح لزامًا على جميع الجهات التي تتعامل مع بيانات المواطنين أن تلتزم بأعلى درجات الدقة والرقابة.
وقيمة هذا الحكم لا تكمن في مبلغ التعويض البالغ عشرة ملايين جنيه فحسب، وإنما في المبدأ الذي أرساه، وهو أن البيانات الشخصية ليست مباحة، وأن الاعتداء عليها قد يرتب مسؤولية قانونية وتعويضًا متى ثبتت أركان المسؤولية.
هل نحن أمام اتجاه قضائي جديد؟
وربما يكون هذا الحكم بداية لاتجاه قضائي جديد يعيد رسم حدود مسؤولية شركات الاتصالات، ويمنح المواطنين حماية قضائية أوسع في مواجهة أي استخدام غير مشروع لبياناتهم الشخصية.