أخذت قرضًا وتعثرت في السداد؟ حقك في المطالبة بالدين لا يعني انتهاك كرامتك أو خصوصيتك
التعثر في سداد القرض لا يسقط حق الدائن في المطالبة بأمواله، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح أي شخص الحق في تهديدك أو إهانتك أو التشهير بك أو انتهاك خصوصيتك.
قد يمر الشخص بظروف مالية صعبة تجعله غير قادر على الالتزام بأقساط القرض في مواعيدها، وقد تبدأ بعدها الاتصالات المتكررة من البنك أو شركة التحصيل أو من يمثل الدائن للمطالبة بالسداد.
المطالبة بالدين في حد ذاتها أمر مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المطالبة إلى تهديد أو إهانة أو تشهير أو مضايقة متعمدة أو ادعاء صفة رسمية غير حقيقية.
وهنا يجب أن تعرف أن وجود مديونية عليك لا يعني أنك فقدت حقوقك القانونية.
أولًا: هل يحق للدائن المطالبة بالدين؟
نعم.
فمن حق الدائن اتخاذ الإجراءات القانونية التي يتيحها القانون والعقد المبرم مع المدين للمطالبة بالمبالغ المستحقة، سواء من خلال المطالبة الودية أو الإجراءات القضائية وغيرها من الوسائل القانونية المقررة بحسب طبيعة المديونية.
لكن حق المطالبة بالدين شيء، وطريقة المطالبة به شيء آخر.
فلا يجوز تحويل عملية التحصيل إلى وسيلة للترهيب أو الإهانة أو المساس بخصوصية المدين.
والبنك المركزي المصري يؤكد ضمن مبادئ حماية حقوق عملاء البنوك أهمية التعامل مع العملاء بعدالة وإنصاف وشفافية، مع الحفاظ على سرية بياناتهم.
ثانيًا: ماذا لو تم تهديدك بالتشهير أمام أهلك أو زملائك؟
من أكثر صور الضغط التي قد يتعرض لها المتعثر أن يتم تهديده بإبلاغ أسرته أو جيرانه أو زملائه في العمل بوجود المديونية، أو نشر معلومات عنه بقصد الإضرار بسمعته.
وهنا يجب التفرقة بين مجرد إخطار شخص آخر بمعلومة وبين الأفعال التي قد تشكل، بحسب ظروفها وطريقة ارتكابها، اعتداءً على الخصوصية أو سبًا أو قذفًا أو تهديدًا أو جريمة أخرى.
وقد وضع المشرع المصري حماية واضحة للخصوصية؛ فالدستور ينص على أن للحياة الخاصة حرمة، كما يكفل سرية المراسلات والمحادثات ووسائل الاتصال في الحدود التي يقررها القانون.
كما يجرّم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات بعض صور انتهاك حرمة الحياة الخاصة والمساس بخصوصية الأشخاص باستخدام وسائل تقنية المعلومات، ومن بينها صور معينة من نشر المعلومات أو الصور التي تنتهك الخصوصية دون رضا صاحبها.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع التهديد بالتشهير باعتباره أمرًا طبيعيًا لمجرد وجود مديونية.
ثالثًا: ماذا لو كان الاتصال يتضمن سبًا أو إهانة أو مضايقة متكررة؟
إذا تحولت الاتصالات إلى سب أو إهانة أو مضايقة متعمدة ومتكررة، فقد تنشأ مسؤولية قانونية مستقلة عن أصل المديونية.
وقانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003 يجرّم تعمد إزعاج أو مضايقة الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات.
وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة:
وجود دين لا يمنح الدائن أو المحصل حصانة من المسؤولية عن أي فعل مجرّم يرتكبه أثناء عملية التحصيل.
فالدين يُطالب به بالطرق القانونية، أما السب أو التهديد أو المضايقة أو التشهير، متى توافرت عناصر الجريمة، فيُنظر إليه باعتباره فعلًا مستقلًا.
رابعًا: ماذا لو ادعى المتصل أنه من النيابة أو الشرطة أو المحكمة؟
قد يحاول البعض تخويف المدين من خلال الادعاء بأنه موظف في جهة قضائية أو شرطية، أو أنه "محضر" أو "من النيابة العامة"، أو أن هناك أمر ضبط وإحضار صادرًا بحقه، دون أن يكون هذا الادعاء حقيقيًا.
وهنا يجب التعامل مع الأمر بجدية.
انتحال صفة موظف عام أو جهة رسمية قد يشكل جريمة متى توافرت عناصرها القانونية.
لذلك لا ينبغي الانصياع للتهديدات لمجرد أن المتصل قدم نفسه باعتباره تابعًا لجهة رسمية.
إذا تلقيت اتصالًا من هذا النوع، اطلب البيانات الرسمية التي تمكنك من التحقق من شخصية المتصل والجهة التي يمثلها، ولا ترسل بياناتك البنكية أو الشخصية الحساسة استجابةً لاتصال مجهول.
والبنك المركزي المصري نفسه ينبه العملاء إلى عدم إعطاء البيانات الشخصية أو البنكية أو أرقام الحسابات أو البطاقات لأي شخص يتصل بهم أو يطلبها عبر الرسائل أو وسائل التواصل الاجتماعي.
خامسًا: ماذا تفعل إذا تعرضت لهذه الممارسات؟
إذا كنت متعثرًا في سداد قرض وتعرضت في الوقت نفسه لتهديد أو إهانة أو مضايقة أو تشهير، فلا تتعامل مع الأمر بعصبية، ولا تدخل في مشادات قد تزيد موقفك تعقيدًا.
بدلًا من ذلك:
1. احتفظ بالأدلة
احتفظ بالرسائل النصية ورسائل واتساب ولقطات الشاشة وأرقام الهواتف وسجل الاتصالات وأي مستندات أو رسائل إلكترونية متعلقة بالواقعة.
وإذا كانت هناك تسجيلات أو أدلة أخرى، فمن الأفضل الحصول عليها واستخدامها بالطريقة التي يسمح بها القانون وبعد استشارة قانونية عند الحاجة، خصوصًا فيما يتعلق بتسجيل المحادثات الخاصة.
2. دوّن تفاصيل الوقائع
اكتب تاريخ ووقت كل اتصال، ورقم الهاتف المستخدم، واسم الشخص الذي تحدث معك إن ذكره، وما إذا كان قد ادعى تمثيل بنك أو شركة تحصيل أو جهة رسمية.
هذه التفاصيل قد تكون مهمة عند تقديم الشكوى أو اتخاذ إجراء قانوني.
3. إذا كان الأمر متعلقًا ببنك، قدّم شكوى رسمية
في حالة وجود شكوى تتعلق بالقطاع المصرفي، يوضح البنك المركزي المصري أن العميل يبدأ بتقديم شكواه إلى البنك المعني، ويحصل على رقم مرجعي للشكوى، ثم يمكن تصعيدها إلى البنك المركزي في الحالات التي حددها البنك المركزي.
4. إذا كان هناك شبهة جريمة، استشر محاميًا
إذا تضمنت الواقعة تهديدًا أو سبًا أو قذفًا أو تشهيرًا أو انتحال صفة أو انتهاكًا للخصوصية، فيجب عرض التفاصيل والأدلة على محامٍ لتحديد الوصف القانوني الدقيق والإجراء المناسب.
الخلاصة
التعثر في سداد القرض لا يعني أنك فقدت كرامتك أو حقوقك.
الدائن له الحق في المطالبة بحقه، والمدين ملزم بالوفاء بالتزاماته وفقًا للقانون والعقد، لكن كل ذلك يجب أن يتم في إطار القانون.
فلا يجوز أن تتحول المطالبة بالدين إلى وسيلة للتهديد أو الإهانة أو التشهير أو انتهاك الخصوصية.
وفي المقابل، إذا كنت مدينًا، فلا تتجاهل المديونية أو تتعامل معها باعتبارها مجرد تهديدات هاتفية؛ بل حاول معالجة وضعك قانونيًا وماليًا، واطلب المشورة القانونية المناسبة قبل أن تتفاقم المشكلة.
اعرف حقوقك والتزاماتك، وتعامل مع التعثر باعتباره مشكلة قانونية ومالية تحتاج إلى حل، وليس سببًا للتنازل عن كرامتك أو حقوقك التي يحميها القانون.
معتز السيد ابوشال
محامي و مستشار قانوني