الرأي القانوني

التقاضي عن بُعد في مصر.. من المحكمة الرقمية إلى مكتب المحامي

التقاضي عن بُعد في مصر.. من المحكمة الرقمية إلى مكتب المحامي

التقاضي عن بُعد في مصر.. من المحكمة الرقمية إلى مكتب المحامي

رأي قانوني

لم يعد التقاضي عن بُعد في مصر مجرد فكرة مستقبلية أو مشروعًا للتحول الرقمي.

فنحن أمام تحول تشريعي ومؤسسي حقيقي في طريقة مباشرة إجراءات العدالة، يتزامن مع دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 حيز التطبيق في الأول من أكتوبر 2026، وما قرره من تنظيم صريح لإجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد.

كما بدأت وزارة العدل بالفعل في إعداد البنية اللازمة للمنظومة، وتدريب المحامين على استخدامها، وهو ما تعكسه الدورات التدريبية التي تنظمها الوزارة بالتعاون مع نقابة المحامين.

ولكن، في تقديري، فإن اختزال هذه التجربة في عبارة «المحاكمة عبر الإنترنت» لا يعبر عن حقيقة التحول.

فنحن أمام سؤال أكبر:

كيف ستتغير مهنة المحاماة عندما تصبح المحكمة والنيابة جزءًا من منظومة عدالة رقمية متكاملة؟


من المحكمة التقليدية إلى منظومة العدالة الرقمية

نظم قانون الإجراءات الجنائية الجديد في مواده من 530 إلى 537 إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد باستخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة المسموعة والمرئية.

ولم يترك المشرع المسألة باعتبارها مجرد وسيلة تقنية، بل ربط استخدامها بضمانات إجرائية أساسية؛ فنص على أن تتم الإجراءات بما يضمن سرية التحقيقات والحضور والعلانية وشفوية المرافعة والمواجهة بين الخصوم. كما أجاز اتخاذ كل أو بعض إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد مع المتهمين والشهود والمجني عليهم والخبراء وغيرهم، وكذلك في بعض إجراءات الحبس الاحتياطي والتدابير والإفراج المؤقت واستئناف أوامرها.

وهنا تظهر قاعدة أراها جوهرية:

التكنولوجيا يجوز أن تغير وسيلة ممارسة العدالة، لكنها لا يجوز أن تنتقص من ضماناتها.

فليست العبرة بأن تنتقل الجلسة من قاعة المحكمة إلى شاشة، وإنما بأن تنتقل الإجراءات ذاتها وضماناتها إلى البيئة الرقمية دون إهدار لحقوق الدفاع.


النيابة العامة.. خطوة أخرى نحو العدالة الرقمية

والتحول لا يبدأ من المحاكم وحدها.

فالنيابة العامة المصرية أتاحت بالفعل عددًا من الخدمات الإلكترونية التي تنقل جانبًا من التعامل مع منظومة العدالة إلى البيئة الرقمية، ومنها خدمات مرتبطة ببعض إجراءات الأحوال الشخصية، إلى جانب خدمات الاستعلام والمتابعة المتعلقة بالقضايا والأحكام والقرارات الجنائية.

وهذا التطور مهم في دلالته؛ لأنه يكشف أننا لا نتحدث عن رقمنة مؤسسة قضائية واحدة، وإنما عن اتجاه عام نحو رقمنة دورة العدالة.

فالمحكمة تتطور رقميًا، والنيابة العامة تقدم خدمات إلكترونية، والمحامي يجري تدريبه على منظومات التقاضي عن بُعد، والمتقاضي يستطيع الوصول إلى بعض الخدمات والمعلومات دون أن تكون الزيارة الفعلية لمقر الجهة القضائية هي الطريق الوحيد للتعامل معها.

ومن هنا تبدأ الصورة الأكبر.

نحن لا نشهد فقط «محكمة رقمية»؛ وإنما نشهد بداية تشكل «منظومة عدالة رقمية».

وهذا، في رأيي، هو التطور الذي سيعيد تعريف دور المحامي ومكتبه خلال السنوات القادمة.


المحامي.. ليس أقل قيمة من القاضي

وهنا لا يمكن الحديث عن مستقبل التقاضي دون الحديث عن مكانة المحامي.

كان الأستاذ الراحل رجائي عطية يؤكد في حديثه عن رسالة المحاماة أن المحامي ليس أقل قيمة من القاضي، وأن له دورًا أصيلًا في إقامة العدالة، وقد عبّر عن ذلك بمفهوم «القاضي الواقف».

والتعبير هنا بالغ الدلالة.

فالقاضي يجلس على منصة القضاء ويفصل في الخصومة في حدود سلطته واختصاصه والقانون.

أما المحامي فيقف أمام هذه المنصة، يفحص الوقائع، ويقرأ القانون، ويراقب الإجراءات، ويناقش الأدلة، ويبدي الدفوع، ويجادل، ويدافع، ويطعن في الأحكام متى رأى فيها خطأً أو مخالفة للقانون.

القاضي مقيد بضوابط وظيفته وحدود ولايته.

أما المحامي فدوره أن يكون عين الدفاع على الدعوى، وحارسًا لحقوق موكله، ومراقبًا لسلامة الإجراءات، وصوتًا قانونيًا قادرًا على مواجهة ما يراه من خطأ بالحجة والقانون.

ولذلك فإن قيمة المحامي لا تقاس بكونه يقف داخل قاعة المحكمة أو خارجها.

قيمته في قدرته على أداء رسالته في تحقيق العدالة.

ومن هنا فإن الانتقال إلى التقاضي عن بُعد لا ينبغي أن يجعل المحامي مجرد مستخدم لمنصة إلكترونية.

بل يجب أن يجعله أكثر قدرة على أداء رسالته.


وهنا يأتي دور نقابة المحامين

من هنا أرى أن دور نقابة المحامين في هذه المرحلة يتجاوز بكثير تنظيم دورة تدريبية أو تعريف المحامي بكيفية الدخول إلى المنصة.

فالتدريب خطوة ضرورية، وقد بدأت النقابة بالفعل في هذا الاتجاه بالتعاون مع وزارة العدل، من خلال الدورات المخصصة لتدريب المحامين على منظومات التقاضي الإلكتروني وإجراءات الحضور والاستعلام والمتابعة.

لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة مهنية حقيقية.

فالنقابة يجب أن تكون صوت المحامين في عملية التحول الرقمي، وأن تنقل إلى وزارة العدل والجهات المختصة المشكلات العملية التي تظهر أثناء التطبيق.

ويجب أن تعمل على:

  • التدريب المستمر وليس التدريب الموسمي.

  • تأهيل المحامين لاستخدام المنظومات الجديدة بكفاءة.

  • رصد الأعطال والمشكلات الإجرائية والتقنية.

  • حماية المحامي من الآثار المترتبة على الأعطال الخارجة عن إرادته.

  • المشاركة في تقييم المنظومة وتطويرها.

  • التأكيد على أن الرقمنة لا تنتقص من حقوق الدفاع.

  • إعداد المحامي لمتطلبات المحاماة الرقمية.

فالمطلوب ليس فقط أن يعرف المحامي كيف يستخدم المنصة.

بل أن يظل قادرًا على ممارسة المحاماة كاملة من خلال المنصة.


مكتب المحامي.. هل يصبح «محكمة بذاتها»؟

وهنا أصل إلى الفكرة التي أراها الأهم في هذا التحول.

بالطبع، لا يمكن القول إن مكتب المحامي سيصبح محكمة بالمعنى القانوني؛ فاختصاص القضاء لا ينتقل إلى المحامي، ولا يحل المكتب محل المحكمة.

لكن يمكن أن يصبح مكتب المحامي، من الناحية التقنية والإجرائية، نقطة اتصال متكاملة مع منظومة العدالة.

تخيل أن مكتب المحاماة يستطيع من خلال منظومة واحدة:

  • استقبال الإخطارات والإعلانات الإلكترونية.

  • إدارة ملفات القضايا.

  • الاطلاع على البيانات والمستندات المتاحة.

  • إيداع المذكرات والمستندات.

  • سداد الرسوم إلكترونيًا.

  • متابعة الجلسات.

  • حضور الجلسات عن بُعد حيث يسمح القانون والمنظومة بذلك.

  • متابعة القرارات والأحكام.

  • الحصول على المستندات والصور الرقمية.

  • وإخطار الموكل بكل تطور في دعواه.

هذه ليست مجرد رفاهية تقنية.

إنها إعادة تعريف لمكان ممارسة المحاماة.


من مكتب محاماة إلى مكتب محاماة رقمي

ومع اكتمال منظومة التقاضي عن بُعد، سيبدأ مفهوم مكتب المحاماة نفسه في التغير.

فالمكتب الناجح لن يكون فقط المكان الذي توجد فيه الكتب والملفات، وإنما سيكون أيضًا بيئة رقمية متكاملة تضم:

  • نظامًا لإدارة القضايا.

  • أرشيفًا إلكترونيًا مؤمنًا.

  • بنية للاتصال بمنظومات العدالة.

  • وسائل حماية للبيانات والمعلومات.

  • تجهيزات لعقد الاجتماعات والمقابلات عن بُعد.

  • وكوادر قادرة على التعامل مع الإجراءات الرقمية.

وبذلك سيظهر نموذج جديد:

المحامي الرقمي

ليس المحامي الذي يعرف استخدام الكمبيوتر فقط، وإنما المحامي الذي يستطيع أن يمارس مهنته بكفاءة في بيئة قضائية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والبيانات والإجراءات الإلكترونية.


وهنا يصبح «مكتب المحامي» نقطة اتصال بالعدالة

إذا كانت المحكمة تتجه إلى الرقمنة، والنيابة العامة تقدم خدمات إلكترونية، فمن الطبيعي أن يتطور مكتب المحامي في الاتجاه ذاته.

وقد بدأنا نرى بالفعل بعض ملامح هذا المستقبل.

فالقانون الجديد ينظم حضور المحامي مع المتهم أثناء إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد، ويقرر صراحة أنه لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه أثناء اتخاذ تلك الإجراءات. كما أجاز للمتهم في أول جلسة أن يعترض على عدم مثوله شخصيًا أمام المحكمة.

وهذه النصوص تكشف أن المشرع لم ينظر إلى المحامي باعتباره عنصرًا يمكن الاستغناء عنه بسبب التكنولوجيا.

على العكس.

التكنولوجيا تغير مكان وجود المحامي، لكنها لا تلغي دوره.

وقد يكون هذا هو أهم ما يجب الانتباه إليه في المرحلة القادمة.


العدالة الرقمية لا تعني محاميًا أقل حضورًا

هناك خطأ يجب ألا نقع فيه.

فالحضور عن بُعد لا يعني بالضرورة أن يكون المحامي أقل حضورًا.

قد يغيب المحامي عن مبنى المحكمة، لكنه يجب أن يكون أكثر حضورًا في الدعوى.

حاضرًا في ملف موكله.

حاضرًا في الأدلة.

حاضرًا في الإجراءات.

حاضرًا في الجلسة.

وحاضرًا في التواصل مع المحكمة.

وحاضرًا مع موكله.

بل إن نجاح التقاضي عن بُعد يجب أن يقاس بمدى قدرة المحامي على أن يكون حاضرًا قانونيًا ومهنيًا، حتى وإن لم يكن موجودًا فعليًا داخل قاعة المحكمة.


التكنولوجيا في خدمة العدالة.. لا العكس

إنني أؤيد التحول الرقمي في منظومة العدالة.

وأراه ضرورة لا ترفًا.

لكنني في الوقت نفسه أرى أن معيار النجاح يجب ألا يكون عدد المنصات أو عدد الخدمات الإلكترونية.

المعيار الحقيقي هو:

هل أصبح الوصول إلى العدالة أسهل؟

هل أصبحت الإجراءات أكثر كفاءة؟

هل أصبح المحامي قادرًا على أداء دوره بصورة أفضل؟

هل أصبحت حقوق الدفاع أكثر حماية؟

هل أصبحت الإجراءات أكثر دقة وشفافية؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تحول حقيقي.

أما إذا أصبحت التكنولوجيا مجرد طبقة جديدة من التعقيد فوق الإجراءات القديمة، فنحن لم نحقق التحول الذي نريده.


المستقبل ليس اختفاء المحكمة

في تقديري، نحن لا نتجه إلى اختفاء المحكمة.

ولا ينبغي أن نريد ذلك.

لكننا نتجه إلى اختفاء كثير من المسافات والإجراءات غير الضرورية بين المحكمة والمحامي والمتقاضي.

المحكمة ستظل محكمة.

والقاضي سيظل قاضيًا.

والمحامي سيظل محاميًا.

لكن طريقة اتصال كل منهم بالآخر ستتغير.

وهنا يمكن أن نصل إلى نموذج جديد:

محكمة أكثر اتصالًا.

نيابة أكثر رقمنة.

محامٍ أكثر كفاءة.

ومكتب محاماة قادر على العمل كحلقة اتصال متكاملة مع منظومة العدالة.


خلاصة الرأي

أعتقد أن السؤال الحقيقي أمامنا لم يعد:

هل سنطبق التقاضي عن بُعد؟

بل:

أي نوع من المحامين نريد أن يكون موجودًا عندما يصبح التقاضي عن بُعد واقعًا كاملًا؟

وهنا أرى أن مسؤولية نقابة المحامين لا تقتصر على تدريب المحامي على استخدام التكنولوجيا، وإنما تمتد إلى حماية مكانة المحامي ودوره واستقلاله داخل منظومة العدالة الرقمية.

فالمحامي ليس مجرد مستخدم للنظام.

والمحامي ليس مجرد طرف ينتظر ما تقرره المحكمة.

المحامي شريك في إقامة العدالة.

وإذا كان القاضي يجلس على منصة القضاء، فإن المحامي يقف أمامها مدافعًا ومجادلًا ومراقبًا لسلامة الإجراءات.

ومن ثم، فإن التحول الرقمي يجب ألا ينتج «محكمة إلكترونية» فقط.

بل يجب أن ينتج أيضًا:

محاميًا رقميًا.

ومكتب محاماة رقميًا.

ومكتبًا قادرًا على أن يكون نقطة اتصال متكاملة بمنظومة العدالة.

ليس بمعنى أن يصبح المكتب محكمة لها سلطة القضاء، وإنما بمعنى أن يصبح قادرًا على مباشرة أعمال المحاماة والتواصل مع المحكمة والنيابة والمنظومات الرسمية بكفاءة من مكان واحد.

وهنا ربما تتغير فلسفة المكان في ممارسة المحاماة.

فالمحامي الذي كان يحتاج إلى الانتقال من المكتب إلى المحكمة لإنجاز كل إجراء، قد يستطيع مستقبلًا إنجاز جانب كبير من عمله من مكتبه.

والمحكمة التي كانت تنتظر حضور المحامي إليها، قد تصبح قادرة على التواصل معه إلكترونيًا.

والنيابة التي كان الوصول إلى بعض خدماتها يتطلب الحضور الشخصي، أصبحت تتيح جانبًا من خدماتها عبر الوسائل الرقمية.

وبذلك لا تصبح التكنولوجيا بديلًا عن العدالة، وإنما أداة لجعل العدالة أكثر وصولًا وكفاءة.

ولهذا أرى أن:

المستقبل ليس أن تختفي المحكمة، وإنما أن تختفي المسافة غير الضرورية بينها وبين المحامي.

وأن يكون مكتب المحامي، بما يمتلكه من معرفة قانونية وبنية تقنية، بوابة حقيقية للعدالة في عصرها الرقمي.

معتز السيد أبوشال
محامٍ ومستشار قانوني

رأي قانوني

شارك المقال

ساعد في نشر المعلومة القانونية وشارك المقال مع من قد يهمه الأمر.