صدر القانون رقم 174 لسنة 2025 بإصدار قانون الإجراءات الجنائية، ونُشر في الجريدة الرسمية في 12 نوفمبر 2025، ليحل محل قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950.
ويبدأ العمل بالقانون الجديد اعتبارًا من 1 أكتوبر 2026، بما أتاح فترة انتقالية للتعرف على أحكامه المستحدثة والاستعداد لتطبيقها.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا استحدث القانون؟
وإنما: هل ينجح القانون الجديد في تحقيق التوازن بين حق الدولة في مكافحة الجريمة، وحق الإنسان في الحرية والمحاكمة العادلة؟
🔹 أولًا: ضمانات المتهم منذ لحظة القبض
أولى القانون اهتمامًا واضحًا بضمانات الشخص الذي تُقيد حريته.
فوفقًا للمادة 41، يجب على مأمور الضبط القضائي أن يبلغ المتهم فورًا بسبب تقييد حريته والتهم المنسوبة إليه، وأن يحيطه بحقوقه كتابة، وأن يمكنه من الاتصال بذويه وبمحاميه، ثم إرساله إلى سلطة التحقيق المختصة خلال أربع وعشرين ساعة وفقًا لما قرره النص.
صحة الإجراءات السابقة على التحقيق ليست مسألة شكلية، وإنما قد تكون أساسًا لصحة ما يترتب عليها من إجراءات لاحقة.
🔹 ثانيًا: حضور المحامي وحق الدفاع
جاءت المواد 104 و105 و106 بضمانات مهمة في مرحلة التحقيق.
فالمادة 104 توجب إحاطة المتهم بحقوقه كتابة وبالتهمة المنسوبة إليه، وتمكينه من الاتصال بذويه ومحاميه، مع تنبيهه إلى أن من حقه الصمت.
وتقرر المادة 105 أنه لا يجوز لعضو النيابة العامة استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود إلا في حضور محاميه، مع تنظيم حالة عدم وجود المحامي أو عدم حضوره بعد دعوته.
وهذه ليست ضمانات شكلية؛ فحق الدفاع لا يكتمل بمجرد إثبات اسم المحامي في المحضر، وإنما بتمكينه فعليًا من ممارسة دوره في الحدود التي رسمها القانون.
🔹 ثالثًا: الحبس الاحتياطي وبدائله
أعاد القانون تنظيم الحبس الاحتياطي والتدابير البديلة له.
وتنص المادة 113 على حالات وضوابط إصدار أمر الحبس الاحتياطي، بينما تجيز المادة 114 استبدال الحبس الاحتياطي بتدابير، من بينها:
- عدم مغادرة المسكن أو الموطن.
- التردد على قسم الشرطة في أوقات محددة.
- حظر ارتياد أماكن معينة.
- عدم مغادرة نطاق جغرافي محدد إلا بإذن النيابة العامة.
- منع الاتصال أو مقابلة أشخاص معينين.
- منع حيازة أو إحراز الأسلحة والذخائر مؤقتًا.
- استخدام الوسائل التقنية في تتبع المتهم وفق الضوابط القانونية.
والأدق قانونًا أن ننظر إلى هذه التدابير باعتبارها بدائل إجرائية للحبس الاحتياطي، وليست إفراجًا مطلقًا.
🔹 رابعًا: الحدود الزمنية للحبس الاحتياطي
وضعت المادة 124 حدودًا زمنية دقيقة للحبس الاحتياطي والتدبير.
فلا يجوز أن تزيد المدة في الجنح على ثلاثة أشهر في الحالات التي حددها النص، وفي الجنايات لا يجوز أن تزيد على خمسة أشهر إلا وفق الضوابط الخاصة بمدها.
كما قرر النص، في جميع الأحوال، ألا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلتي التحقيق وسائر مراحل الدعوى ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، وبحد أقصى:
4 أشهر في الجنح،
12 شهرًا في الجنايات،
18 شهرًا إذا كانت العقوبة السجن المؤبد أو الإعدام.
مع سلطة محكمة الجنايات المستأنفة ومحكمة النقض – في الحالات التي حددها القانون – في الأمر بالحبس لمدة 45 يومًا قابلة للتجديد، بما لا يجاوز سنتين.
🔹 خامسًا: الطعن على أوامر الحبس
نظم القانون كذلك استئناف أوامر الحبس الاحتياطي أو مده أو الإفراج المؤقت.
وتقرر المادة 171 وجوب الفصل في استئناف أوامر الحبس الاحتياطي أو مده أو الإفراج المؤقت خلال 48 ساعة من تاريخ رفع الاستئناف، مع تخصيص دوائر لنظر هذه الطعون.
كما قررت المادة 172 أنه إذا لم يفصل في الاستئناف خلال ثلاثة أيام من تاريخ التقرير به، وجب تنفيذ أمر الإفراج فورًا في الحالة التي حددها النص.
وهنا تصبح متابعة المواعيد الإجرائية جزءًا أساسيًا من عمل الدفاع.
🔹 سادسًا: التكنولوجيا تدخل إلى منظومة العدالة الجنائية
استجاب القانون للتطور التكنولوجي من خلال تنظيم عدد من الإجراءات والوسائل الإلكترونية، سواء في مجال الإعلانات أو التعامل مع الاتصالات والرسائل والوسائط الإلكترونية في الحالات والضوابط التي حددها القانون.
التطور التكنولوجي لا يعني إهدار الخصوصية، والدليل الإلكتروني لا يصبح مشروعًا لمجرد كونه دليلًا رقميًا.
وسيكون للقضاء دور بالغ الأهمية في تحديد ضوابط مشروعية الحصول على الأدلة الرقمية، وحدود استخدامها، وأثر مخالفة الإجراءات المقررة قانونًا.
🔹 سابعًا: استئناف أحكام الجنايات
من أبرز التحولات التي جاء بها القانون الجديد إعادة تنظيم منظومة الطعن، وعلى رأسها استئناف أحكام محاكم الجنايات، وفقًا للأحكام والمواعيد والإجراءات التي نظمها القانون.
ويمثل ذلك تطورًا مهمًا في بنية التقاضي الجنائي، وسيترتب عليه أثر مباشر على طريقة إعداد الدفاع وإدارة الدعوى أمام درجتي التقاضي.
🔹 ثامنًا: القانون الجديد ومسؤولية المحامي
القانون الجديد يفرض على المحامي الجنائي درجة أكبر من الدقة في متابعة الملف.
فلم يعد كافيًا معرفة النصوص بصورة عامة، وإنما يجب تتبع:
تاريخ القبض – سبب تقييد الحرية – تاريخ الاستجواب – حضور المحامي – طلباته ودفوعه – قرارات الحبس – مدد الحبس – مواعيد الاستئناف – الإعلان بالإحالة – سلامة الإجراءات – ومصدر الأدلة الرقمية وطريقة الحصول عليها.
ففي القضايا الجنائية، قد يكون الفارق في إجراء واحد أو موعد واحد ذا أثر حاسم في المركز القانوني للمتهم.
وفي رأينا...
لا يمكن النظر إلى قانون الإجراءات الجنائية باعتباره مجرد قانون ينظم أعمال النيابة العامة والمحاكم.
فهو القانون الذي يرسم الحدود الفاصلة بين سلطة الدولة في العقاب وحرية الإنسان.
وقد أحسن المشرع في اتجاهه إلى تحديث المنظومة الإجرائية، وتنظيم بدائل الحبس الاحتياطي، وتعزيز عدد من ضمانات الدفاع، وتطوير منظومة الطعون، والاستجابة للتطور التكنولوجي.
لكن نجاح هذه النصوص لن يتحدد بما ورد في الجريدة الرسمية وحدها، وإنما بما سيكشف عنه التطبيق العملي.
فالنصوص لا تحقق العدالة بذاتها.
وإنما يحققها القاضي العادل، وعضو النيابة الملتزم بالقانون، ومأمور الضبط الذي يحترم حدود سلطته، والمحامي الذي يتمسك بضمانات موكله.
كما أن السنوات الأولى لتطبيق القانون ستكون مرحلة بالغة الأهمية، وستطرح على القضاء مسائل جديدة تتعلق بحدود بطلان الإجراءات، وحقوق الدفاع، والحبس الاحتياطي وبدائله، والأدلة الرقمية، والإعلانات الإلكترونية، ومواعيد الطعون، واستئناف أحكام الجنايات.
وستكون لمحكمة النقض أهمية خاصة في تفسير النصوص الجديدة وإرساء المبادئ القضائية التي ستحدد اتجاه التطبيق العملي خلال السنوات المقبلة.
وفي النهاية...
سرعة الفصل في الدعوى الجنائية هدف مشروع، لكنها لا يجوز أن تتحقق على حساب ضمانات المحاكمة العادلة.
فالإجراءات ليست عقبات أمام العدالة، بل هي الضمانة الأساسية للوصول إليها.
ومن ثم، فإن معيار نجاح القانون رقم 174 لسنة 2025 لن يكون في عدد مواده أو حداثة صياغته، وإنما في قدرته على تحقيق المعادلة الدقيقة بين:
مكافحة الجريمة ⚖️ صيانة الحقوق والحريات ⚖️ احترام حق الدفاع ⚖️ سيادة القانون
العدالة الجنائية تبدأ من صحة الإجراء، قبل أن تنتهي إلى عدالة الحكم.
معتز السيد أبوشال
المحامي
#قانون_الإجراءات_الجنائية #قانون_174_لسنة_2025 #الإجراءات_الجنائية #الحبس_الاحتياطي #حقوق_الدفاع #القانون_المصري #المحاماة #محكمة_النقض #العدالة_الجنائية